تجربتي مع التعلم الحر

المقدمة

في ظل تواجدي في بلد لا يتكلم اللغة العربية قررت مع والدتي أن نجمع بعض أطفال أصحابنا لنقوم بنشاطات ذات صلة بالدين واللغة والهوية. بدأنا مع الأطفال دروسًا في الأخلاق الإسلامية والقصص القرآنية مع نشاطات يدوية مُختلفة اختلف حماسهم تجاهها، وقمنا أحيانًا ببعض الألعاب والتجارب الكيميائية. كان هدفنا في بعض الأنشطة صنع ألعاب وأشياء أخرى جميلة كزينة رمضان بأيديهم بدل شرائها.

شعرت بعدها أن علينا استكشاف مرحلة جديدة والبدء بتعلم شيء جديد، وبما أننا نستخدم التقنية كل يوم فعلينا استكشافها وصنع شيء جيد بها، وقررت البدء بتعلم البرمجة باستخدام برنامج ScratchJr.

ما هي ScratchJr؟

سكراتش جونيور هي لغة برمجة تمهيدية تمكن الأطفال الصغار من خلق قصصهم التفاعلية وصنع ألعاب. يستطيع الطفل من خلال دمج اللبنات البرمجية (programming blocks) أن يجعل شخصياته ترقص وتغني وتقفز وتتحرك. ويمكنه أيضًا رسم الشخصيات التي يريد بيده أو تعديل الأشكال والشخصيات الموجودة أصلًا في البرنامج، ويمكنه كذلك إضافة صوته أو صورته إن أحب

scr

لماذا ScratchJr؟

اخترنا ScratchJr لأنه برنامج سهل التعلم وبسيط وممتع بآن واحد وبإمكان الأولاد بناء ألعاب به أو غير ذلك مما يحبون من المشاريع. كما أن اللبنات البرمجية فيه تستخدم الصور بدل الكتابة، وهذا ما ساعدني بما أن الأولاد يستخدمون لغات مختلفة في حياتهم اليومية (العربية والفرنسية والإنكليزية) وكان من الصعب أن تجمعهم لغة واحدة.

بدايةً تحدثت للأطفال عن البرمجة وما يمكنهم فعله باستخدام سكراتش وسكراتش جونيور، وعرضت أدوات لوصل العالم الحقيقي بالافتراضي كلوح Makey Makey (أو انظر هذا الفيديو).

بدأنا العمل بعد ذلك، فأعطيت آيبادًا لكل منهم ليبدأ الاستكشاف وحده. كان البعض خائفين من البداية الجديدة، وكنت أود أن أشرح لهم العناصر المختلفة للبرنامج، لكني وجدت سريعًا أنهم يستكشفون وحدهم، ولم يكن علي التدخل إلا عندما كانت عندهم أسئلة أو لاحظت أنهم لم ينتبهوا لوظيفة معينة مثل تسجيل الصوت. ساعد على ذلك طبعًا أن البرنامج مصمم بشكل جيد وأن علاقتي بالأطفال طيبة ولا حواجز بيننا.

بدأ الأولاد يساعدون بعضهم حتى دون أن يطلب منهم ذلك، أي أنهم كانوا يشاركون ما يتعلمونه مع زملائهم. بعض الأطفال عندي يقلدون عادة مشاريع زملائهم، والذين بدورهم يبدون ضيقهم بذلك. كنت أخشى أن يحدث ذلك ويبدؤوا بتقليد شخصيات وبرامج بعضهم البعض ولكن الجميل أن ذلك لم يحدث وقام كل منهم ببناء شخصياته وبرامجه المميزة رغم أنه كان بإمكانهم رؤية ما يقوم الآخرون بالعمل عليه، دون أن يمنعهم ذلك من محاولة استكشاف ما قام الآخرون باكتشافه. “هااا.. أنت رسمت! كيف قمت بذلك؟” ولكن الطفل بعد ذلك سيرسم شخصيته المميزة. لا أدري إن كان ذلك أفضل بإطلاق، ولكنه كان أخف مشاكل 🙂

عن العربية

يتحدث الأطفال عندي لغات مختلفة بدرجات إتقان متفاوتة (العربية والإنجليزية والفرنسية) ولذا أركز خلال عملي معهم على استخدام العربية الفصحى وتشجيعهم على السؤال عما لا يعرفون معناه. الجميل أنهم صاروا يحافظون على ذلك تلقائيًا. فمثلًا عندما سجلوا الأصوات سجلوها بالعربية الفصحى دون أن أوجههم لذلك، ولكن مجرد وجودهم في هذه البيئة شجعهم على المحافظة على عادات لغوية معينة، وكان واضحًا كذلك استحضارهم لبعض ما مر معهم في الجلسات السابقة (قصص الأنبياء والتربية الإسلامية). كانت الكتابة في سكراتش فرصة مميزة لممارسة الكتابة لا تتاح لهم عادة، كما أن الكتابة باستخدام لوحة المفاتيح جعلت الكتابة أقل صعوبة لأنه لا حاجة لهم لمعرفة الطرائق المختلفة لتوصيل الأحرف، مما أعطاهم شجاعةً أكبر في التجريب. وبما أنهم اختاروا العربية وحدهم (ولكنهم لا يتقنونها) جربنا أساليب مختلفة للكتابة: تجريب الأحرف، والتناوب في كتابة الأحرف بيني وبينهم، أو المحاولة منهم أولًا ثم التصحيح مني إن لزم (هم من طلبوا ذلك ولست أنا). كنا نقارن بين كيفية كتابتهم الكلمة وكيفية نطقهم لها فيضحكون ويحاولون تصحيحها، مثل كتابهم لعبارة “أهالان وسهلا”.

كان أحد الأولاد في البداية رافضًا تمامًا للمشاركة ولا يريد اللعب. أخبرته أن سكراتش وسيلة يصنع بها ما يشاء. كنت أتركه وحده بعض الوقت حتى يرى ما يقوم به زملاؤه، وعندها يأتي وحده ليطلب المشاركة. عندي كذلك طفلان يرفضون عادةً أي أوامر أو توجيهات أو تصويبات من معلماتهم في المدرسة، ولكن العلاقة الحسنة بيننا القائمة على الصداقة، والجو المختلف الذي أتاح لهم فرصة التعامل مع الآخرين دون الخوف من الحكم عليهم أتاحت لهم فرصة التعامل بشكل أكثر إيجابية معي ومع أقرانهم وأن البرنامج واضح ويشجع التعلم من خلال التجريب، فقد ظلوا لآخر لحظة حتى مجيء أهاليهم وهم يحاولون إضافة أشياء جديدة إلى برامجهم وتجريبها.

ملاحظاتي

  • كانت البيئة بنظري بيئة تعلم جيدة بسبب سهولة طرح التساؤلات، وإتاحة فرصة للأطفال للمحاولة واكتشاف أخطائهم بمفردهم، ولأن الأطفال كانوا يتفاعلون مع بعضهم ويشاركون أفكارهم معًا ويطورونها فيما يعمل كل منهم على مشروعه الخاص، مما ساعد على إضافة المواضيع والأفكار بطريقة غير مباشرة وجميلة.
  • يتيح برنامج سكراتش جونيور للأطفال فرصة المحاولة والتجريب والاعتماد على الذات بشكل لطيف.
  • تحفز اللغة الأطفال على الابتكار والإبداع وخلق قصصهم وسيناريوهاتهم التي يريدونها بشكل حر وبسيط.
  • سرعة الإنجاز والوصول إلى نتائج، وبساطة الحصول على ذلك أعطت سرورًا أكبر وتفاعلًا أكبر مع البرنامج.
  • جربت أكثر من مرة تحديد موضوع مشترك للمشاريع، مثلًا عندما كانت الجلسة قبيل العيد كان الموضوع إنشاء مشاريع للمعايدة. وكان مثيرًا للاهتمام ملاحظة كيفية تفاعلهم مع اللغة العربية واكتشافهم للمعاني وما هو جالب للفكاهة فيها (كتفاعل بين اللغة والثقافة والسياق). مشروع هاني مثلًا كان عن فطرين يهنئان بعضهما بالعيد.

الإعلانات

تدوينتي الأولى.. بغير قلمي

بعد أن استولت على قلبي، سمحت لنفسي بالاستيلاء على مدونتها لبضع دقائق بمجرد أن سنحت لي الفرصة بذلك، لعلي بذلك أرد بعض الاعتبار إلى ذاتي. وكما في كل مرة أكتب لها أو عنها، تقصر الكلمات والعبارات عن نقل ما أفكر وأشعر به تجاهها، وبات لا يحمل مكنونات نفسي وخلجاتها — كما أخبرتها في أيامنا الأولى — إلا لغة منبعها السماء تتسامى فوق ألسنة البشر، فيغدو كياني مسبحًا الودود اللطيف: يجمع من أصبحا غريبين بميثاق غليظ، ويضع بينهما من المحبة والألفة بإذنه، فلا يمسيان إلا وقد استودع أحدهما — أو كلاهما — قلبه لدى الآخر.

المهم، أحد لطائف التدوين، كما كنت أخبرها للتو قبل التحايل عليها للاستيلاء على مدونتها، كونه سجلًا لأفكارنا.. مرآةً نلحظ فيها كم نمونا (أو كبرنا).. نرى بعض الشيب هنا أو هناك، ونعزي أنفسنا بأنا صرنا أكثر وقارًا وأقل طيشًا. تمضي الأيام ونعود إلى أفكارنا في تدويناتنا الأولى.. نشهد فيها كم نضجنا أو تحولنا أو حدنا عن براءتنا الأولى. هذا عني..

أما عنها، فهي مرآة ترى فيها كيف تصير كل يوم أجمل، لعلها تصير تصدقني كلما أخبرتها بذلك.. كل يوم.

المحب لها أبدًا، وكل يوم أكثر…